الشنقيطي

438

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال بعض أهل العلم : ذات الحبك أي ذات الخلق الحسن المحكم ، وممن قال به ابن عباس وعكرمة وقتادة . وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ( 3 ) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 ) [ الملك : 3 - 4 ] إلى غير ذلك من الآيات . وعلى هذا القول فالحبك مصدر ، لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه ، تقول فيه العرب : حبكه حبكا بالفتح على القياس . والحبك بضمتين بمعناه . وقال بعض العلماء : ذات الحبك : أي الزينة . وممن روي عنه هذا سعيد بن جبير والحسن ، وعلى هذا القول ، فالآية كقوله : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [ الملك : 5 ] ، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ق في الكلام على قوله : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها [ ق : 6 ] الآية . وقال بعض العلماء : ذات الحبك أي ذات الشدة ، وهذا القول يدل له قوله تعالى : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ( 12 ) [ النبأ : 12 ] . والعرب تسمى شدة الخلق حبكا ، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق : محبوك . ومنه قول امرئ القيس . قد غدا يحملني في أنفه * لا حق الأطلين محبوك ممر والآية تشمل الجميع ، فكل الأقوال حق والمقسم عليه في هذه الآية هو قوله تعالى إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) [ الذاريات : 8 ] أي إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وشأن القرآن ، لأن بعضهم يقول : هو شعر ، وبعضهم يقول : سحر ، وبعضهم يقول : كهانة ، وبعضهم يقول : أساطير الأولين ، وقول من قال في قول مختلف أي لأن بعضهم مصدق ، وبعضهم مكذب خلاف التحقيق . ويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين . قوله تعالى في ق بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) [ ق : 5 ] أي مختلط . وقال بعضهم : مختلف ، والمعنى واحد . وقوله تعالى : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ( 9 ) [ الذاريات : 9 ] أظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري ، أن لفظة عن في الآية سببية كقوله تعالى : وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ [ هود : 53 ] أي بسبب قولك ، ومن أجله ، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول المختلف ، والمعنى يؤفك أي يصرف عن الإيمان باللّه ورسوله عنه ، أي عن ذلك القول