الشنقيطي

435

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الذاريات قوله تعالى : وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ( 1 ) فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 ) فَالْجارِياتِ يُسْراً ( 3 ) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ( 4 ) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ( 5 ) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ( 6 ) [ 1 - 6 ] . أكثر أهل العلم ، على أن المراد بالذاريات الرياح . وهو الحق إن شاء اللّه ، ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح . ومنه قوله تعالى فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [ الكهف : 45 ] ، ومعنى تذروه : ترفعه وتفرقه ، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما ، ومنه قول ذي الرمة : ومنهل آجن قفر محاضره * تذرو الرياح على جماته البعرا ولا يخفى سقوط قول من قال : إن الذاريات النساء . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَالْحامِلاتِ وِقْراً أكثر أهل العلم على أن المراد بالحاملات وقرا : السحاب . أي المزن تحمل وقرا ثقلا من الماء . ويدل لهذا القول تصريح اللّه جل وعلا بوصف السحاب بالثقال ، وهو جمع ثقيلة ، وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله كقوله تعالى : وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) [ الرعد : 12 ] ، وهو جمع سحابة ثقيلة ، وقوله تعالى حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [ الأعراف : 57 ] . وقال بعضهم : المراد بالحاملات وقرا : السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم ، ولو قال قائل : إن الحاملات وقرا الرياح أيضا كان وجهه ظاهرا . ودلالة بعض الآيات عليه واضحة ، لأن اللّه تعالى صرح بأن الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء ، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء اللّه ، فنسبة حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح ، وذلك في قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [ الأعراف : 57 ] الآية .