الشنقيطي

424

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى : في هذه الآية الكريمة : قالَتِ الْأَعْرابُ : المراد به بعض الأعراب ، وقد استظهرنا أنهم منافقون لدلالة القرآن على ذلك ، وهم من جنس الأعراب الذين قال اللّه فيهم : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [ التوبة : 98 ] ، وإنما قلنا إن المراد بعض الأعراب في هذه الآية ، لأن اللّه بين في موضع آخر أن منهم من ليس كذلك ، وذلك في قوله تعالى وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) [ التوبة : 99 ] . قوله تعالى : قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 16 ) [ 16 ] . لما قال هؤلاء الأعراب : آمنا ، وأمر اللّه نبيه أن يكذبهم في قوله : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ أمر نبيهم أن يقول لهم بصيغة الإنكار : أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وذلك بادعائكم أنكم مؤمنون واللّه لا يخفى عليه شيء من حالكم ، وهو عالم بأنكم لم تؤمنوا وعالم بكل ما في السماوات والأرض وعالم بكل شيء . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تقبيح تزكية النفس بالكذب جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) [ النجم : 32 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) [ 18 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 5 ) [ هود : 5 ] .