الشنقيطي

408

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يا نبي اللّه أو يا رسول اللّه ونحو ذلك . وقوله : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط أعمالكم ، أو ينهاكم عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون أي لا تعلمون بذلك . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وتعظيمه واحترامه جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى : لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ الفتح : 9 ] على القول بأن الضمير في تعزروه وتوقروه للنبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النور : 63 ] كما تقدم وقوله تعالى فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ [ الأعراف : 157 ] الآية . وقوله هنا : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [ الحجرات : 2 ] أي لا تنادوه باسمه : كيا محمد . وقد دلت آيات من كتاب اللّه على أن اللّه تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه ، وإنما يخاطبة بما يدل على التعظيم والتوقير ، كقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [ الأنفال : 64 - 65 - 70 ] . يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [ المائدة : 41 - 67 ] . يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) [ المزمل : 1 ] . يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) [ المدثر : 1 ] مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم كقوله وَقُلْنا يا آدَمُ [ البقرة : 35 ] . وقوله : وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) [ الصافات : 104 ] وقوله : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ هود : 46 ] . قيل يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [ هود : 48 ] . وقوله : قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [ الأعراف : 144 ] وقوله : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [ آل عمران : 55 ] وقوله : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً [ ص : 26 ] . أما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب ، وإنما يذكر في غير ذلك كقوله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] . وقوله : وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 2 ] . وقوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [ الفتح : 29 ] . وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه صلّى اللّه عليه وسلّم بغض الصوت عنده لا يكون إلا من الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى ، أي أخلصها لها وأن لهم بذلك عند اللّه المغفرة والأجر العظيم ، وذلك في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) [ 3 ] . وقال بعض العلماء في قوله : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أي لا ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض . قال القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية ما نصه : وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا ، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة ، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة ، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم ، وهو