الشنقيطي

395

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وما ذكره من أن المراد بقوله : حتى نعلم المجاهدين الآية ، حتى يعلم حزبنا . وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين له وجه ، وقد يرشد له قوله تعالى : وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) أي نظهرها ونبرزها للناس . وقوله تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ آل عمران : 179 ] لأن المراد يميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك الناس . ولذا قال وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : 179 ] فتعلموا ما ينطوي عليه الخبيث والطيب ، ولكن اللّه عرفكم بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب . والقول الأول وجيه أيضا ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) [ 32 ] . الظاهر أن صدوا في هذه الآية متعدية ، والمفعول محذوف ، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل اللّه فهم ضالون مضلون . وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ [ النحل : 97 ] الآية . أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول . وصدوا هنا ، إن قدرت لازمة فمعنى الصدود الكفر ، فتكون كالتوكيد لقوله كفروا . وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيسا . لأن قوله : كفروا يدل على كفرهم في أنفسهم . وقوله : وصدوا على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق ، وهذا أرجح مما قبله . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَشَاقُّوا الرَّسُولَ أي خالفوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مخالفة شديدة . وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين أحدهما أن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه صلّى اللّه عليه وسلم لن يضروا اللّه بكفرهم شيئا ، لأنه غني لذاته الغنى المطلق . والثاني أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم ، لأن ذلك الكفر سبب لإحباط أعمالهم ، كما قال تعالى : وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) .