الشنقيطي

388

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

[ النمل : 79 ] وقال في يونس : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [ يونس : 108 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة . فدعوى أن الأرض لم يبق فيها مجتهد البتة ، وأن ذلك مستمر إلى ظهور المهدي المنتظر مناقضة لهذا الحديث الثابت ثبوتا لا مطعن فيه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ومما لا نزاع فيه أن كل ما يناقض الحق فهو ضلال ، لأن اللّه جل وعلا يقول : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) [ يونس : 32 ] . والعلم عند اللّه تعالى . التنبيه الحادي عشر اعلم يا أخي أن هذا الإعراض عن كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، واعتقاد الاستغناء عنهما بالمذاهب المدونة الذي عم جل من في المعمورة من المسلمين من أعظم المآسي والمصائب ، والدواهي التي دهت المسلمين من مدة قرون عديدة . ولا شك أن النتائج الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن الكتاب والسنة من جملتها ما عليه المسلمون في واقعهم الآن من تحكيم القوانين الوضعية المنافي لأصل الإسلام . لأن الكفار إنما احتاجوهم بفصلهم عن دينهم بالغزو الفكري عن طرق الثقافة وإدخال الشبه والشكوك في دين الإسلام . ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصنا منيعا لهم من تأثير الغزو الفكري في عقائدهم ودينهم . ولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم واستبدلوا به أقوال الرجال لم تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة رحمهم اللّه مقام كلام اللّه والاعتصام بالقرآن ، وكلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم والتحصن بسنته . ولذلك وجد الغزو الفكري طريقا إلى قلوب الناشئة من المسلمين . ولو كان سلاحهم المضاد * القرآن والسنة لم يجد إليهم سبيلا ولا شك أن كل منصف يعلم أن كلام الناس ، ولو بلغوا ما بلغوا من العلم والفضل ، لا يمكن أن يقوم مقام كلام اللّه وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . وبالجملة فمما لا شك فيه أن هذا الغزو الفكري الذي قضى على كيان المسلمين ، ووحدتهم وفصلهم عن دينهم ، لو صادفهم وهم متمسكون بكتاب اللّه وسنة رسوله لرجع مدحورا في غاية الفشل لوضوح أدلة الكتاب والسنة ، وكون الغزو الفكري المذكور لم يستند إلا على الباطل والتمويه كما هو معلوم .