الشنقيطي

380

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالظاهر أن الإمام مالكا رحمه اللّه ومن وافقه من أهل العلم ، لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة ، بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس . وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدا بيد . وأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه ، وإن خالف في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم . وقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما . والمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكا خالف فيها السنة المعروفة منها ما ذكرنا . ومنها مسألة سجود الشكر وسجدات التلاوة في المفصل . وعدم الجهر بآمين ، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ، وعدم قول الإمام : ربنا ولك الحمد . وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر . وترك السجدة الثانية في الحج وغير ذلك من المسائل . وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى غيرها أرجح منها ، وأن بعضها لم يبلغه ، وأن الحق قد يكون معه في بعض المسائل التي أخذت عليه . وقد يكون مع غيره ، كما قال مالك نفسه رحمه اللّه : كل كلام فيه مقبول ومردود ، إلا كلام صاحب هذا القبر . وهو تارة يقدم دليل القرآن المطلق أو العام على السنة التي هي أخبار آحاد . لأن القرآن أقوى سندا وإن كانت السنة أظهر دلالة ، ولأجل هذا لم يبح ميتة الجراد بدون ذكاة لأنه يقدم عموم حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] الآية . حديث « أحلت لنا ميتتان ودمان » « 1 » الحديث ، وقدم عموم قوله تعالى ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [ الأعراف : 55 ] الآية . على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين لأن التأمين دعاء ، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة . فالآية أقوى سندا وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع . ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا .

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عمر ابن ماجة في الأطعمة حديث 3314 .