الشنقيطي
354
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشأوا وتعلموا بعد تفرق الصحابة في أقطار الدنيا ؟ وروي عنه الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها ؟ والحاصل أن ظن إحاطة الإمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغني من الحق شيئا ، وليس بصحيح قطعا . لأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث فلم يطلع عليها ويرويه بعض العدول عن الصحابة فيثبت عند غيره . وهو معذور في ترك العمل به ، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في البحث . ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ . وقد يكون الإمام اطلع على الحديث ، ولكن السند الذي بلغه به ضعيف فيتركه لضعف السند . ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث فهو معذور في تركه ، لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة الأخرى . وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه ، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها . إلى أسباب أخر كثيرة ، كترك الأئمة للعمل ببعض النصوص . وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل . وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء اللّه . فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم رحمهم اللّه من أنهم قد يخطئون ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصا من كتاب أو سنة . فالمتبع لهم حقيقة ، هو من لا يقدم على كتاب اللّه وسنة رسوله شيئا . أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة ، فهو مخالف لهم لا متبع لهم . ودعواه اتباعهم كذب محض . وأما القضية الثانية : فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإمام من العذر في الخطأ . وإيضاحه : أنهم يظنون أن الإمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ