الشنقيطي

351

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فإذا نزلت بهم نازلة أخرى ، سألوا عنها غيره من العلماء إن شاءوا . ولا إشكال في هذا الذي مضت عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم ، ولا يلزمه تعطيل صنائع ولا متاجر ، ولا يمنعه شرع ولا قدر . فكيف يستدل منصف للتقليد الأعمى ، بأن الناس لو لم ترتكبه لوقعوا في المحذور المذكور . وعلى كل حال فكل عاقل لم يعمه التعصب ، يعلم أن تقليد إمام واحد بعينه ، بحيث لا يترك من أقواله شيء ، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء ، وجعل أقواله عيارا لكتاب اللّه ، وسنة رسوله فما وافق أقواله منهما جاز العمل به ، وما خالفها منهما وجب اطراحه ، وترك العمل به لا وجه له البتة . وهو مخالف لكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم وإجماع الأئمة الأربعة . فالواجب على المسلمين تعلم كتاب اللّه وسنة رسوله ، والعمل بما علموا منهما . والواجب على العوام الذين لا قدرة لهم على التعلم سؤال أهل العلم ، والعمل بما أفتوهم به . وسيأتي لهذا زيادة إيضاح وإقناع للمنصف في التنبيهات الآتية إن شاء اللّه تعالى . وقد بينا هنا بطلان جميع الحجج التي يحتج بها المقلدون التقليد المذكور ، وما لم نذكر من حججهم ، قد أوضحنا رده وإبطاله فيما ذكرنا . تنبيهات مهمة تتعلق بهذه المسألة التنبيه الأول اعلم أن المقلدين ، اغتروا بقضيتين ظنوهما صادقتين ، وهما بعيدتان من الصدق . وظن صدقهما يدخل أوليا في عموم قوله تعالى إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ يونس : 36 ] ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث » . أما الأولى منهما فهي ظنهم ، أن الإمام الذي قلدوه لا بد أن يكون قد اطلع على جميع معاني كتاب اللّه ، ولم يفته منها شيء . ولذلك فإن كل آية وكل حديث قد خالفا قوله فلا شك عندهم أن ذلك الإمام اطلع على تلك الآية وعلم معناها ، وعلى ذلك الحديث وعلم معناه . وأنه ما ترك العمل بهما إلا لأنه اطلع على ما هو أقوى منهما وأرجح .