الشنقيطي
348
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القضاء بالشاهد واليمين في الأموال . وفي الحديث « شاهداك أو يمينه » « 1 » وهو حديث صحيح . فالأخذ بشهادة الشاهد إذا من العمل بكتاب اللّه وسنة رسوله لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليدا أعمى . الوجه الثاني : أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه بخلاف الرأي ، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي . ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس ، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل . فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس . وأن الثاني لا يوجبه ، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعا به . لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا اللّه . مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه . فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم الذي هو من المعقولات لا من المحسوسات لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه . فالشاهد إن أخبر عن محسوس ، وكان عدلا ، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعا لا يتطرق إليه الشك ، بخلاف المجتهد ، فإنه عدل أخبر عما ظنه ، فوضوح الفرق بين الأمرين كما ترى . وأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد . وتقليد الأعمى في القبلة . وتقليد المؤذنين في الوقب والمترجمين والمعرفين ، والمعدلين ، والمجرحين . وتقليده المرأة في طهرها ، فهو كله ظاهر السقوط أيضا . لأن جميع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود : البخاري في الرهن في الحضر حديث 2515 و 2516 ، ومسلم في الأيمان حديث 221 .