الشنقيطي

330

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن لم يكن في سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بما قضى به الصالحون . وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة . وألزم بالطلاق الثلاث فتبعوه أيضا . واحتلم مرة ، فقال له عمرو بن العاص : خذ ثوبا غير ثوبك فقال لو فعلتها صارت سنة . وقال أبي بن كعب وغيره من الصحابة : ما استبان لك فاعمل به ، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه . وقد كان الصحابة يفتون ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حي بين أظهرهم . وهذا تقليد لهم قطعا . إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقد قال تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) [ التوبة : 122 ] فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم . وهذا تقليد منهم للعلماء . وصح عن ابن الزبير ، أنه سئل عن الجد والإخوة ، فقال : أما الذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذته خليلا ، فإنه أنزله أبا . وهذا ظاهر في تقليده له . وقد أمر اللّه سبحانه بقبول شهادة الشاهد ، وذلك تقليد له . وجاءت الشريعة ، بقبول قول القائف ، والخارص والقاسم والمقوم للمتلفات ، وغيرها والحاكمين بالمثل ، في جزاء الصيد وذلك تقليد محض . وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدل ، وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد ، وذلك تقليد محض لهؤلاء . وأجمعوا على جواز شراء اللحمان ، والثياب والأطعمة وغيرها ، من غير سؤال عن أسباب حلها ، وتحريمها اكتفاء بتقليد أربابها . ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء فضلاء لضاعت مصالح العباد ، وتعطلت الصنائع والمتاجر ، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين .