الشنقيطي
328
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه ؟ وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب ، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب ، فيما خالفه فيه . فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع ، لزمه أن يجيزه للعامة . وكفى بهذا جهلا ، وردا للقرآن قال اللّه تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] . وقال : أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) [ الأعراف : 28 ] . وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ويتيقن فليس بعلم ، وإنما هو ظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا ا ه . كله من جامع ابن عبد البر رحمه اللّه . واعلم أن حاصل جميع حجج المقلدين منحصر في قولهم : نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول اللّه تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) [ النحل : 43 والأنبياء : 7 ] . فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه ، وهذا نص قولنا . وقد أرشد النبي صلى اللّه عليه وسلم من لا يعلم إلى سؤال من يعلم ، فقال في حديث صاحب الشجة : « ألا سألوا إذا لم يعلموا ، إنما شفاء العيي السؤال » « 1 » . وقال أبو العسيف : الذي زنى بامرأة مستأجرة : « وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه » « 2 » : وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر . فروى شعبة عن عاصم الأحول ، عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة : أقضي فيها فإن يكن صوابا فمن اللّه ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، واللّه منه بريء : هو ما دون الولد والوالد ، فقال عمر بن الخطاب إنني لأستحيي من اللّه أن أخالف أبا بكر « 3 » . وصح عنه أنه قال له : رأينا لرأيك تبع ، وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ بقول عمر . وقال الشعبي عن مسروق : كان ستة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يفتون الناس ابن
--> ( 1 ) أخرجه عن جابر بن عبد اللّه أبو داود في الطهارة حديث 336 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في المحاربين من أهل الكفر والردة حديث 6859 و 6960 ، ومسلم في الحدود حديث 25 و 26 . ( 3 ) أخرجه الدارمي في الفرائض 2 / 365 ، 366 .