الشنقيطي
324
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر رحمه اللّه في جامعه بإسناده عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر ، فإنه لا أسوة في الشر . وقال في جامعه أيضا رحمه اللّه : وثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال : « تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون » « 1 » . وهذا كله نفي للتقليد ، وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده . ثم ذكر رحمه اللّه آثارا نحو ما تقدم ثم قال : وقال : عبيد اللّه بن المعتمر : لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد . وهذا كله لغير العامة ، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها . لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك ، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها . وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة . واللّه أعلم . ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها ، وأنهم المرادون بقول اللّه عز وجل : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) [ النحل : 43 والأنبياء : 7 ] . وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة إذا أشكلت عليه . فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد من تقليد عالمه ، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا . وذلك واللّه أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل ، والقول في العلم . ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه ، ومن أفتى بفتيا من غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه » « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عمرو : البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة حديث 7307 ، ومسلم في العلم حديث 13 و 14 . ( 2 ) أخرجه : البخاري في العلم حديث 110 ، ومسلم في المقدمة حديث 3 .