الشنقيطي

321

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال جل وعز : وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ [ الزخرف : 23 - 24 ] . فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء ، فقالوا : إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) [ سبأ : 34 ] . وفي هؤلاء ومثلهم قال اللّه عز وجل : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) [ الأنفال : 22 ] . وقال : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( 166 ) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 166 - 167 ] . وقال عز وجل عائيا لأهل الكفر وذاما لهم : ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ( 53 ) [ الأنبياء : 52 - 53 ] . وقال وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ( 67 ) [ الأحزاب : 67 ] . ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء . وقد احتج العلماء بهذه الآيات ، في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر . وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد ، كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب ، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها ، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة . لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا ، وإن اختلفت الآثام فيه . وقال اللّه عز وجل : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [ التوبة : 115 ] . وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب هذا ، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا . فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها ، وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك . أخبرنا عبد الوارث ثم ساق السند إلى أن قال : حدثنا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة ، قال وما هي يا رسول اللّه ؟ قال : أخاف عليهم من زلة العالم ، ومن