الشنقيطي
309
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها ، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه . والذي نرتضيه رأيا وندين اللّه به عقدا ، اتباع سلف الأمة ، فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك ، أن إجماع الأمة حجة متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة . وقد درج صحب الرسول صلى اللّه عليه وسلّم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمشتغلون بأعباء الشريعة . وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها . فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة . فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع بحق . فعلى ذي الدين أن يعتقد تنزه الرب تعالى عن صفات المحدثات ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب . ومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] ، فقال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة . فلتجر آية الاستواء والمجيء وقوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] ، وقوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 14 ] ، وما صح عن الرسول عليه السلام كخبر النزول « 1 » وغيره على ما ذكرنا ، فهذا بيان ما يجب للّه تعالى . ا ه . كلامه بلفظه من الرسالة النظامية المذكورة مع أن رجوع الجويني فيها إلى أن الحق هو مذهب السلف أمر معلوم . وكذلك أبو حامد الغزالي ، كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل ثم رجع عن ذلك ، وبين أن الحق الذي لا شك فيه هو مذهب السلف . وقال في كتابه : إلجام العوام عن علم الكلام :
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في التهجد بالليل حديث 1145 ، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث 168 و 169 و 170 و 171 .