الشنقيطي
300
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ الأنعام : 3 ] الآية . أن قول الجهمية ومن تبعهم : إن اللّه في كل مكان قول باطل . لأن جميع الأمكنة الموجودة ، أحقر وأقل وأصغر ، من أن يسع شيء منها خالق السماوات والأرض ، الذي هو أعظم وأكبر من كل شيء ، وهو محيط بكل شيء ، ولا يحيط به شيء . فانظر إيضاح ذلك في الأنعام . واعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة ، من أن ما في القرآن العظيم ، من صفة الاستواء والعلو والفوقية ، يستلزم الجهة ، وأن ذلك محال على اللّه ، وأنه يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية ، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني كله باطل . وسببه سوء الظن باللّه وبكتابه ، وعلى كل حال فمدعي لزوم الجهة لظواهر نصوص القرآن العظيم . واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل يقال له : ما مرادك بالجهة ؟ إن كنت تريد بالجهة مكانا موجودا ، انحصر فيه اللّه ، فهذا ليس بظاهر القرآن ، ولم يقله أحد من المسلمين . وإن كنت تريد بالجهة العدم المحض . فالعدم عبارة عن لا شيء . فميز أولا ، بين الشيء الموجود وبين لا شيء . وقد قال أيضا أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه في كتاب الإبانة أيضا ما نصه : فإن سئلنا أتقولون إن للّه يدين ؟ قيل نقول ذلك ، وقد دل عليه قوله عز وجل : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] . وقوله عز وجل : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] . وأطال رحمه اللّه ، الكلام في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين للّه . ومن جملة ما قال ما نصه : ويقال لهم : لم أنكرتم أن يكون اللّه عز وجل عني بقوله : ( يدي ) يدين ليستا نعمتين . فإن قالوا : لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة . قيل لهم : ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة ؟