الشنقيطي

293

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 5 ) [ الأحزاب : 5 ] . وخطؤهم المذكور لا شك فيه ، ولو وفقهم اللّه لتطهير قلوبهم من التشبيه أولا ، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق ، لسلموا مما وقعوا فيه . ولا شك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، عالم كل العلم ، بأن الظاهر المتبادر ، مما مدح اللّه به نفسه ، في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق ، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق ، لأنه تشبيه بصفات الخلق ، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك ، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، ولا سيما في العقائد ، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه . فسكوت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤلون لا أساس له كما ترى . فإن قيل : إن هذا القرآن العظيم ، نزل بلسان عربي مبين ، والعرب لا تعرف في لغتها ، كيفية لليد مثلا ، إلا كيفية المعاني المعروفة عندها كالجارحة ، وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة ، فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم . فالجواب من وجهين : الوجه الأول : أن العرب لا تدرك كيفيات صفات اللّه من لغتها ، لشدة منافاة صفة اللّه لصفة الخلق . والعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق ، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر ، إلا هذه المشاهدة ، في حاسة الأذن والعين ، أما سمع لا يقوم بإذن وبصر لا يقوم بحدقة ، فهذا لا يعرفون له كيفية البتة . فلا فرق بين السمع والبصر ، وبين اليد والاستواء ، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك ، هو المشاهد في المخلوقات . وأما الذي اتصف اللّه به من ذلك ، فلا تعرف له العرب كيفية ، ولا حدا لمخالفة صفاته لصفات الخلق ، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى ، كما قال الإمام مالك رحمه اللّه : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . كما يعرفون من لغتهم ، أن بين الخالق والمخلوق ، والرازق والمرزوق ، والمحيي والمحيا ، والمميت والممات ؛ فوارق عظيمة لا حد لها ، تستلزم المخالفة ، التامة ، بين صفات الخالق والمخلوق .