الشنقيطي

291

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وماذا عليك لو صدقت اللّه وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل ؟ وبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق ؟ هل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق عن أحد ؟ حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق ؟ فاخش اللّه يا إنسان ، واحذر من التقول على اللّه بلا علم ، وآمن بما جاء في كتاب اللّه مع تنزيه اللّه عن مشابهة خلقه . واعلم أن اللّه الذي أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به ، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول : هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك ، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك ، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك . فاليد مثلا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة ، وأنا أنفيها عنك نفيا باتا ، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلا أو الجود . سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ( 10 ) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ الطلاق : 10 - 11 ] . ومن الغريب أن بعض الجاحدين لصفات اللّه المؤولين لها بمعان لم ترد عن اللّه ولا عن رسوله يؤمنون فيها ببعض الكتاب دون بعض . فيقرون بأن الصفات السبع التي تشتق منها أوصاف ثابتة للّه مع التنزيه ، ونعني بها القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ، لأنها يشتق منها قادر حي عليم إلخ . وكذلك في بعض الصفات الجامعة كالعظمة والكبرياء والملك والجلال مثلا ، لأنها يشتق منها العظيم المتكبر والجليل والملك ، وهكذا ويجحدون كل صفة ثبتت في كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم لم يشتق منها غيرها كصفة اليد والوجه ونحو ذلك ، ولا شك أن هذا التفريق بين صفات اللّه التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى اللّه عليه وسلم لا وجه له البتة بوجه من الوجوه . ولم يرد عن اللّه ولا عن رسوله صلى اللّه عليه وسلم الإذن في الإيمان ببعض صفاته وجحد بعضها ، وتأويله لأنها لا يشتق منها . وهل يتصور عاقل أن يكون عدم الاشتقاق مسوغا لجحد ما وصف اللّه به نفسه ؟