عبد الرحمن بن ناصر السعدي
51
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
أثقل الأشياء عليه . والخشوع هو : خضوع القلب وطمأنينته ، وسكونه للّه تعالى ، وانكساره بين يديه ، ذلا وافتقارا ، وإيمانا به وبلقائه . [ 46 ] ولهذا قال : الَّذِينَ يَظُنُّونَ ، أي : يستيقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فيجازيهم بأعمالهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ، فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات ، ونفس عنهم الكربات ، وزجرهم عن فعل السيئات ، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات ، ومن لم يؤمن بلقاء ربه ، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه . ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته ، وعظا لهم ، وتحذيرا وحثّا . [ 48 ] وخوّفهم بيوم القيامة الذي لا تَجْزِي فيه ، أي : لا تغني نَفْسٌ ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين عَنْ نَفْسٍ ولو كانت من العشيرة الأقربين شَيْئاً لا كبيرا ولا صغيرا ، وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها ، أي : النفس ، شَفاعَةٌ لأحد بدون إذن اللّه ورضاه عن المشفوع له ، ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه ، وكان على السبيل والسنة ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ، أي : فداء وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ ولا يقبل منهم ذلك وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ، أي : يدفع عنهم المكروه ، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه . فقوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً هذا في تحصيل المنافع ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ هذا في دفع المضار ، فهذا النفي للأمر المستقبل به النافع . ولا تقبل منها شفاعة ، ولا يؤخذ منها عدل ، هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض كالعدل ، أو بغيره كالشفاعة ، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين ، لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع ، وأن يعلقه باللّه الذي يجلب المنافع ، ويدفع المضار ، فيعبده وحده لا شريك له ، ويستعين على عبادته . [ 49 ] هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل ، فقال : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، أي : من فرعون وملئه وجنوده ، وكانوا قبل ذلك يَسُومُونَكُمْ ، أي : يولونهم ويستعملونهم ( والمعنى يذيقونكم ) ، سُوءَ الْعَذابِ ، أي : أشدّه بأن كانوا يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ خشية نموكم وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ، أي : فلا يقتلونهن ، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة ، مستحي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة ، فمنّ اللّه عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقرّ أعينهم . وَفِي ذلِكُمْ ، أي : الإنجاء بَلاءٌ ، أي : إحسان مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره . [ 51 ] ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة ، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده ، أي : ذهابه . وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ تعلمون بظلمكم ، قد قامت عليكم الحجة ، فهو أعظم جرما وأكبر إثما . [ 52 - 54 ] ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا ، فعفا اللّه عنكم بسبب ذلك لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اللّه . [ 55 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ، وهذا غاية الجرأة على اللّه وعلى رسوله ، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ : إما الموت ، أو الغشية العظيمة ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وقوع ذلك ، كل ينظر إلى صاحبه . [ 56 ] ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) . [ 57 ] ثم ذكر نعمته عليهم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق فقال : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وهو اسم جامع لكل رزق يحصل بلا تعب ، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك ، وَالسَّلْوى طائر صغير يقال له السمانى ، طيب اللحم ، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ، أي : رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين ، فلم يشكروا هذه النعمة ، واستمروا