عبد الرحمن بن ناصر السعدي

49

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

فمن اتبع هداه ، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى ، وانتفى عنه كل مكروه ، من الخوف والحزن والضلال والشقاء ، فحصل له المرغوب ، واندفع عنه المرهوب . وهذا عكس من لم يتبع هداه ، فكفر به ، وكذب آياته . [ 39 ] أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ، أي : الملازمون لها ، ملازمة الصاحب لصاحبه ، والغريم لغريمه ، هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يخرجون منها ، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون . وفي هذه الآيات وما أشبهها ، انقسام الخلق من الجن والإنس ، إلى أهل السعادة ، وأهل الشقاوة ، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك ، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب ، كما أنهم مثلهم في الأمر والنهي . ثم شرع تعالى يذكّر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه ، فقال : [ 40 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ ، المراد بإسرائيل : يعقوب عليه السلام ، والخطاب مع فرق بني إسرائيل ، الذين بالمدينة وما حولها ، ويدخل فيهم من أتى بعدهم ، فأمرهم بأمر عام ، فقال : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وهو يشمل سائر النعم ، التي سيذكر في هذه السورة بعضها ، والمراد ذكرها بالقلب اعترافا ، وباللسان ثناء ، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه . وَأَوْفُوا بِعَهْدِي وهو ما عهده إليهم من الإيمان به ، وبرسله ، وإقامة شرعه ، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وهو المجازاة على ذلك . والمراد بذلك : ما ذكره اللّه في قوله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي ، إلى قوله : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . [ 41 ] ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم ، على الوفاء بعهده ، وهو الرهبة منه تعالى ، وخشيته وحده ، فإن من خشيه ، أوجبت له خشيته امتثال أمره ، واجتناب نهيه . ثم أمرهم بالأمر الخاص ، الذي لا يتم إيمانهم ، ولا يصح إلا به ، فقال : وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فأمرهم بالإيمان به واتباعه ، ويستلزم ذلك ، الإيمان بمن أنزل عليه . وذكر الداعي لإيمانهم ، فقال : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ، أي : موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا ، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب ، غير مخالف لها ، فلا مانع لكم من الإيمان به ، لأنه جاء بما جاء به المرسلون ، فأنتم أولى من آمن به وصدق به ، لكونكم أهل الكتب والعلم . وأيضا فإن في قوله : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به ، عاد ذلك عليكم ، بتكذيب ما معكم ، لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ، فتكذيبكم له تكذيب لما معكم . وأيضا ، فإن في الكتب التي بأيديكم صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به ، فإن لم تؤمنوا به ، كذبتم ببعض ما أنزل إليكم ، ومن كذب ببعض ما أنزل إليه ، فقد كذب بجميعه ، كما أن من كفر برسوله ، فقد كذب الرسل جميعهم . فلما أمرهم بالإيمان به ، نهاهم وحذرهم عن ضده وهو الكفر به ، فقال : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ، أي : بالرسول والقرآن . وقوله : أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ، أبلغ من قوله : ( ولا تكفروا به ) ، لأنهم إذا كانوا أول كافر به ، كان فيه مبادرتهم إلى الكفر ، عكس ما ينبغي منهم ، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم . ثم ذكر المانع لهم من الإيمان ، وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية ، فقال : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ، وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل ، التي يتوهمون انقطاعها ، إن آمنوا باللّه ورسوله ، فاشتروها بآيات اللّه واستحبوها ، وآثروها . وَإِيَّايَ ، أي : لا غيري فَاتَّقُونِ فإنكم إذا اتقيتم اللّه وحده ، أوجبت لكم تقواه تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل ، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل ، فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم . [ 42 ] ثم قال : وَلا تَلْبِسُوا ، أي : تخلطوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ فنهاهم عن شيئين ، عن خلط الحق بالباطل ، وكتمان الحق ؛ لأن المقصود من أهل الكتب والعلم ، تمييز الحق ، وإظهار الحق ، ليهتدي بذلك المهتدون ،