عبد الرحمن بن ناصر السعدي
36
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
الحصر ، وهو إثبات الحكم للمذكور ، ونفيه عما عداه ، فكأنه يقول : نعبدك ، ولا نعبد غيرك ، ونستعين بك ، ولا نستعين بغيرك . وتقديم العبادة على الاستعانة ، من باب تقديم العام على الخاص ، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده ، و « العبادة » اسم جامع لما يحبه اللّه ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة ، و « الاستعانة » هي الاعتماد على اللّه تعالى في جلب المنافع ، ودفع المضار ، مع الثقة به في تحصيل ذلك . والقيام بعبادة اللّه والاستعانة به هما الوسيلة للسعادة الأبدية ، والنجاة من جميع الشرور ، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما . وإنما تكون العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقصودا بها وجه اللّه ، فبهذين الأمرين تكون عبادة ، وذكر « الاستعانة » بعد « العبادة » مع دخولها فيها ، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة باللّه تعالى ، فإنه إن لم يعنه اللّه ، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر ، واجتناب النواهي . ثم قال تعالى : [ 6 ] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) أي : دلنا وأرشدنا ، ووفقنا إلى الصراط المستقيم ، وهو الطريق الواضح الموصل إلى اللّه ، وإلى جنته ، وهو معرفة الحق والعمل به ، فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط ، فالهداية إلى الصراط ، لزوم دين الإسلام ، وترك ما سواه من الأديان . والهداية في الصراط ، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا . فهذا الدعاء من أجمع الأدعية ، وأنفعها للعبد ، ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو اللّه به في كل ركعة من صلاته ، لضرورته إلى ذلك . وهذا الصراط المستقيم هو : [ 7 ] صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، غَيْرِ صراط الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم ، وَلَا صراط الضَّالِّينَ الذين تركوا الحق على جهل وضلال ، كالنصارى ونحوهم . فهذه السورة ، على إيجازها ، قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن ، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة : توحيد الربوبية يؤخذ من قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ ، وتوحيد الإلهية ، وهو إفراد اللّه بالعبادة ، يؤخذ من لفظ : الله ومن قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وهو إثبات صفات الكمال للّه تعالى ، التي أثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه ، وقد دل على ذلك لفظ الْحَمْدُ كما تقدم . وتضمنت إثبات النبوة في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة . وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) وأن الجزاء يكون بالعدل ، لأن الدين معناه الجزاء بالعدل . وتضمنت إثبات القدر ، وأن العبد فاعل حقيقة ، خلافا للقدرية والجبرية . بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) لأنه معرفة الحق والعمل به ، وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك . وتضمنت إخلاص الدين للّه تعالى ، عبادة ، واستعانة في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) فالحمد للّه رب العالمين .