عبد الرحمن بن ناصر السعدي
29
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
سعة رحمته ومواهبه ، التي عم بها جميع الوجود ، بحسب ما تقتضيه حكمته . وخص المؤمنين منها ، بالنصيب الأوفر ، والحظ الأكمل ، قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الآية . والنعم والإحسان ، كله من آثار رحمته ، وجوده ، وكرمه . وخيرات الدنيا والآخرة ، كلها من آثار رحمته . السّميع لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . البصير الذي يبصر كل شيء وإن رق وصغر ، فيبصر دبيب النملة السوداء ، في الليلة الظلماء ، على الصخرة الصماء . ويبصر ما تحت الأرضين السبع ، كما يبصر ما فوق السماوات السبع . وأيضا سميع بصير ، بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته ، والمعنى الأخير ، يرجع إلى الحكمة . الحميد في ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله . فله من الأسماء ، أحسنها ، ومن الصفات أكملها ، ومن الأفعال ، أتمها وأحسنها ، فإن أفعاله تعالى ، دائرة بين الفضل والعدل . المجيد ، الكبير ، العظيم ، الجليل وهو الموصوف بصفات المجد ، والكبرياء ، والعظمة ، والجلال ، الذي هو أكبر من كل شيء ، وأعظم من كل شيء ، وأجل وأعلى . وله التعظيم والإجلال ، في قلوب أوليائه وأصفيائه . قد ملئت قلوبهم من تعظيمه ، وإجلاله ، والخضوع له ، والتذلل لكبريائه . العفو ، الغفور ، الغفّار الذي لم يزل ، ولا يزال بالعفو معروفا ، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفا . كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته ، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه . وقد وعد بالمغفرة والعفو ، لمن أتى بأسبابها ، قال تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) . التّوّاب الذي لم يزل يتوب على التائبين ، ويغفر ذنوب المنيبين . فكل من تاب إلى اللّه توبة نصوحا ، تاب اللّه عليه . فهو التائب على التائبين : أوّلا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه ، وهو التائب عليهم بعد توبتهم ، قبولا لها ، وعفوا عن خطاياهم . القدّوس السّلام أي : المعظم المنزه عن صفات النقص كلها ، وأن يماثله أحد من الخلق ، فهو المتنزه عن جميع العيوب ، والمتنزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً . فالقدوس كالسلام ، ينفيان كل نقص من جميع الوجوه ، ويتضمنان الكمال المطلق من جميع الوجوه ، لأن النقص إذا انتفى ، ثبت الكمال كله . العلىّ ، الأعلى وهو الذي له العلو المطلق عن جميع الوجوه . علو الذات ، وعلو القدر والصفات ، وعلو القهر . فهو الذي على العرش استوى ، وعلى الملك احتوى . وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف وإليه فيها المنتهى . العزيز الذي له العزة كلها : عزة القوة ، وعزة الغلبة ، وعزة الامتناع . فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات ، وقهر جميع الموجودات ، ودانت له الخليقة ، وخضعت لعظمته . القوىّ المتين هو في معنى العزيز . الجبّار هو بمعنى العلي الأعلى ، وبمعنى القهار ، وبمعنى « الرؤوف » الجابر للقلوب المنكسرة ، وللضعيف العاجز ، ولمن لاذ به ، ولجأ إليه . المتكبّر عن السوء ، والنقص والعيوب ، لعظمته وكبريائه .