الشنقيطي

23

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إنكارها فصار محكوما بكذبه . قال مقيده عفا اللّه عنه ، وغفر له : وجوب الحد عليه بإقراره لا ينبغي العدول عنه ، ولا يمكن أن يصح خلافه لأمرين . الأول : أنه أقر على نفسه بالزنا إقرارا صحيحا ، وقولهم إننا صدقناها ليس بصحيح . بل نحن لم نصدقها ، ولم نقل إنها صادقة ، ولكن انتفاء الحد عنها إنما وقع ، لأنها لم تقر ، ولم تقم عليها بينة ، فعدم حدها لانتفاء مقتضيه لا لأنها صادقة كما ترى . الأمر الثاني : ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا طلق بن غنام ، ثنا عبد السلام بن حفص ، ثنا أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أن رجلا أتاه ، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له ، فبعث النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى المرأة ، فسألها عن ذلك ، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها » « 1 » ا ه منه . وعبد السلام المذكور في هذا الإسناد وثقه ابن معين ، وتوثيقه له أولى من قول أبي حاتم الرازي : إنه غير معروف ، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ . والحديث المذكور نص في أن المقر يقام عليه الحد وهو واضح ، لأن من أقر على نفسه بالزنا لا نزاع في وجوب الحد عليه . وأما كونه يحد مع ذلك حد القذف فظاهر أيضا ، ويدل عليه عموم قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [ النور : 4 ] الآية . والأخذ بعموم النصوص واجب ، إلا بدليل مخصص يجب الرجوع إليه ، وكون حديث سهل بن سعد الساعدي الذي ذكرناه آنفا عند أبي داود ليس فيه أن النبي حد الرجل المذكور حد القذف ، بل حد الزنا فقط لا يعارض به عموم النصوص . وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وحده للزنا والقذف معا هو الظاهر لوجهين : الأول : أن غاية ما في حديث سهل : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يحد ذلك الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط ، لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة أو لوجود مسقط إلى أن قال : الوجه الثاني : أن ظاهر القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلا ما خرج بدليل ، وقد صدق على كل من كان كذلك أنه قاذف ا ه منه . وهو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه ، وكذلك ما جاء في بعض روايات حديث ما عز بن مالك أنه عين الجارية التي زنا بها « 2 » ، ولم يحده النبي صلى اللّه عليه وسلّم لقذفها بل حده للزنا فقط ، فإن ترك حده له يوجه بما قدمنا قريبا . وعلى كل حال فمن قال : زنيت بفلانة فلا شك أنه مقر على نفسه بالزنا ، وقاذف لها

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الحدود حديث 4466 . ( 2 ) أخرجه عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أبو داود في الحدود حديث 4419 .