الشنقيطي
13
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال مالك وأبو حنيفة : إن جاءوا متفرقين فهم قذفة ، لأنهم لم يجتمعوا في مجيئهم ، فلم تقبل شهادتهم ، كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد ولناقصة المغيرة ، فإن الشهود جاءوا واحدا بعد واحد وسمعت شهادتهم ، وإنما حدوا لعدم كمالها . وفي حديثه أن أبا بكرة قال : أرأيت إن جاء آخر يشهد أكنت ترجمه ؟ قال عمر : إي والذي نفسي بيده ، ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه ما لو جاءوا وكانوا مجتمعين ، ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرناه ، وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد ، لأن من شهد بالزنى ، ولم يكمل الشهادة يلزمه الحد لقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [ النور : 4 ] انتهى من المغني لابن قدامة . وقد عرفت أقوال أهل العلم في اشتراط اتحاد المجلس لشهادة شهود الزنى وما احتج به كل واحد من الفريقين . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر القولين عند دليلا هو قبول شهادتهم ، ولو جاءوا متفرقين في مجالس متعددة ، لأن اللّه جل وعلا صرح في كتابه بقبول شهادة الأربعة في الزنى ، فإبطالها مع كونهم أربعة بدعوى عدم اتحاد المجلس إبطال لشهادة العدول بغير دليل مقنع يجب الرجوع إليه ، وما وجه من اشترط اتحاد المجلس قوله به لا يتجه كل الاتجاه ، فإن قال : الشهود معنا من يشهد مثل شهادتنا ، انتظره الإمام ، وقبل شهادته ، فإن لم يدعو زيادة من شهود ولا علم الحاكم بشاهد أقام عليهم الحد ، لعدم كمال شهادتهم ، هذا هو الظاهر لنا من عموم الأدلة ، وإن كان مخالفا لمذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه اعلم أن مالكا وأصحابه يشترط عندهم زيادة على أداء شهود الزنى شهادتهم في وقت واحد ، أن يكونوا شاهدين على فعل واحد ، فلو اجتمعوا ونظر واحد بعد واحد ؛ لم تصح شهادتهم على الأصح من مذهب مالك ، لاحتمال تعدد الوطء وأن يكون الزاني نزع فرجه من فرجها بعد رؤية الأول ، ورأى الثاني إيلاجا آخر غير الإيلاج الذي رآه من قبله ، لأن الأفعال لا يضم بعضها إلى بعض في الشهادة عندهم ، ومتى لم تقبل شهادتهم حدوا حد القذف . ومشهور مذهب مالك أيضا : وجوب تفرقتهم أعني شهود الزنى خاصة ، دون غيرهم من سائر الشهود . ومعناه عندهم : أنه لا بد من إتيانهم مجتمعين ، فإذا جاءوا مجتمعين فرق بينهم عند أداء الشهادة فيسأل كل واحد منهم دون حضرة الآخرين ، ويشهد كل واحد منهم ، أنه رآه أدخل فرجه في فرجها ، أو أولجه فيه ، ولا بد عندهم من زيادة كالمرود في المكحلة