الشنقيطي
90
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كبعه مدا بكذا يدا بيد * وكر زيد أسدا أي كأسد فقوله « وكر زيد أسدا أي كأسد » مثال لمبدى التأول ، لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابها للأسد كما ذكرنا - واعلم أن حذف القول وإثبات مقولة مطرد في اللغة العربية ، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفا . لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقولة قليل جدا ، ومنه قول الشاعر : لنحن الألى قلتم فأنى ملئتم * برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم ، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول القول . وقوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونا [ الأنعام : 94 ] عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل ، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل . والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جدا في القرآن العظيم ، ومنه قوله هنا : وَحَشَرْناهُمْ [ الكهف : 47 ] ، وقوله : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ [ الكهف : 48 ] ، وقوله : لَقَدْ جِئْتُمُونا . ومنه قوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] ، وقوله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [ الكهف : 99 ] ، وقوله : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الزمر : 71 ] وقوله : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [ الزمر : 73 ] ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا . قوله تعالى : بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 48 ) [ 48 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الكفار زعموا أن اللّه لن يجعل لهم موعدا . والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه . والمعنى : أنهم زعموا أن اللّه لم يجعل وقتا ولا مكانا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب . . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم البعث - جاء مبينا في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [ التغابن : 7 ] الآية . وقوله عنهم : وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) [ الأنعام : 29 ] ، وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 ) [ الدخان : 35 ] ونحو ذلك من الآيات . وقد بين اللّه تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة ؛ كقوله في هذه السورة الكريمة : بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ( 58 ) [ الكهف : 58 ] ، وقوله قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ [ التغابن : 7 ] الآية ، وقوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا [ النحل : 38 ] ، وقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) [ الأنبياء : 104 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . وقد قدمنا في سورة « البقرة » وسورة « النحل » - البراهين التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : بَلْ زَعَمْتُمْ إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر ، لا إبطالي كما هو واضح . وأن في قوله أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ . مخففة من الثقيلة ، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها ، والاسم ضمير الشأن المحذوف ؛ على حد قوله في الخلاصة : وإن