الشنقيطي

81

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

صُوَرَكُمْ [ غافر : 64 ] ، وقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ [ الانفطار : 8 ] ، وقوله « رجلا » أي ذكرا بالغا مبلغ الرجال ، وربما قالت العرب للمرأة : رجلة ، ومنه قول الشاعر : كل جار ظل مغتبطا * غير جيران بني جبله مزقوا ثوب فتاتهم * لم يراعوا حرمة الرجله وانتصاب « رجلا » على الحال . وقيل مفعول ثان لسوى على تضمينه معنى جعلك أو صيرك رجلا . وقيل : هو تمييز . وليس بظاهر عندي ، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ مضمن معنى الاستعباد ، لأنه يستعبد جدا كفر المخلوق بخالقه ، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود ، ويستعبد إنكار البعث ممن علم اللّه أن اللّه خلقه من تراب ، ثم من نطفة ، ثم سواه رجلا ؛ كقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] الآية . ونظير الآية في الدلالة على الاستعباد لوجود موجبه قول الشاعر : ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة * يرى غمرات الموت ثم يزورها لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) بين فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر : أنت كافر ! لكن أنا لست بكافر ! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني ؛ أي لأنه هو الذي يستحق في أن أعبده ، لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه ، تلزمه عبادة خالقه كما تلزمني . ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في « يس » في قوله تعالى : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [ يس : 22 ] أي أبدعني وخلقني وإليه ترجعون . وما قدمنا عن إبراهيم في قوله : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) [ الشعراء : 77 - 78 ] الآية ، وقوله : إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [ الزخرف : 26 - 27 ] الآية . وقوله في هذه الآية الكريمة : أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ [ الكهف : 37 ] بعد قوله : وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً [ الكهف : 36 ] يدل على أن الشك في البعث كفر باللّه تعالى . وقد صرح بذلك في أول سورة « الرعد » في قوله تعالى : * وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ [ الرعد : 5 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة : لكِنَّا أصله « لكن أنا » فحذفت همزة « أنا » وأدغمت نون « لكن » في نون « أنا » بعد حذف الهمزة . وقال بعضهم : نقلت حركة الهمزة إلى نون « لكن » فسقطت الهمزة بنقل حركتها ، ثم أدغمت النون في النون ! ونظير ذلك من كلام