الشنقيطي
64
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 179 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [ 26 ] . أي ما أبصره وما أسمعه جل وعلا . وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جل وعلا بالسمع والبصر ، ذكره أيضا في مواضع أخر ، كقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى : 11 ] وقوله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 1 ) [ المجادلة : 1 ] وقوله تعالى : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 75 ) [ الحج : 75 ] . والآيات بذلك كثيرة جدا . قوله تعالى : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ [ 26 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه جل وعلا ، بل هو وليهم جل وعلا . وهذا المعنى مذكور في آيات أخر ، كقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ، وقوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : 62 ] فبين أنه ولي المؤمنين ، وأن المؤمنين أولياؤه - والولي : هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به . فالإيمان سبب يوالي به المؤمنين ربهم بالطاعة ، ويواليهم به الثواب والنصر والإعانة . وبين في مواضع أخر : أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، كقوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ المائدة : 55 ] الآية ، وقوله : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ التوبة : 71 ] الآية . وبين في مواضع أخر : أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وهو قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ الأحزاب : 6 ] . وبين في مواضع أخر : أنه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين ، وهو قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) [ محمد : 11 ] ، وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر والتوفيق والإعانة ، فلا تنافي أنه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة ، كقوله : وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) [ يونس : 30 ] . وقال بعض العلماء : الضمير في قوله : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ راجع لأهل السماوات والأرض المفهومين من قوله تعالى : لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الكهف : 26 ] وقيل : الضمير في قوله « ما لهم » راجع لمعاصري النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الكفار ؛ ذكره القرطبي . وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا ، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة ، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة . والعلم