الشنقيطي

61

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لها على أن اللّه عاتب نبيه سليمان على عدم قوله إن شاء اللّه ، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك . بل فتنة سليمان بذلك كانت أشد ؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قال سليمان بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية تسعين امرأة ، وفي رواية مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل اللّه » فقيل له - وفي رواية قال له الملك : « قل إن شاء اللّه » فلم يقل . فطاف بهن فلم تلد مهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لم يحنث وكان دركا لحاجته » . وفي رواية « ولقاتلوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » « 1 » ا ه . فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً [ ص : 34 ] الآية . وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله « إن شاء اللّه » ، وأنه لم يلد من تلك النساء إلا واحدة نصف إنسان ، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى : وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً الآية ، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى : وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً الآية ، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان ، وطرد سليمان عن ملكه ؛ حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطرودا عن ملكه ، إلى آخر القصة - لا يخفى أنه باطل لا أصل له ، وأنه لا يليق بمقام النبوة ؛ فهي من الإسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة . والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا ، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجلة ، واختاره بعض المحققين . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ 24 ] . في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير : الأول - أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها ، والمعنى : أنك إن قلت سأفعل غدا كذا ونسيت أن تقول إن شاء اللّه ، ثم تذكرت بعد ذلك فقل إن شاء اللّه ؛ أي اذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غدا إذا تذكرت بعد النسيان . وهذا القول هو الظاهر ؛ لأنه يدل عليه قوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] وهو قول الجمهور . وممن قال به ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الجهاد حديث 2819 ، وأحاديث الأنبياء حديث 3424 ، والنكاح حديث 5242 ، والأيمان والنذور حديث 6639 ، والكفارات حديث 6720 ، ومسلم في الأيمان حديث 23 و 24 و 25 .