الشنقيطي
6
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قَيِّماً حال بعد حال الأصفهاني . وذهب بعضهم إلى أن قوله قَيِّماً بدل من قوله وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) لأن انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيما . وعزا هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب حل العقد ، وعليه فهو بدل مفرد من جملة . كما قالوا : في عرفت زيدا أبو من . أنه بدل جملة من مفرد . وفي جواز ذلك خلاف عند علماء العربية . وزعم قوم أن قَيِّماً حال من الضمير المجرور في قوله وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) واختار الزمخشري وغيره أن قَيِّماً منصوب بفعل محذوف ، وتقديره : ولم يجعل له عوجا وجعله قيما ، وحذف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز ؛ كما قال في الخلاصة : ويحذف الناصبها إن علما * وقد يكون حذفه ملتزما وأقرب أوجه الإعراب في قوله « قيما » أنه منصوب بمحذوف ، أو حال ثانية من « الكتاب » واللّه تعالى أعلم . وقوله في هذه الآية الكريمة : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً اللام فيه متعلقة ب أَنْزَلَ [ الكهف : 1 ] وقال الحوفي : هي متعلقة بقوله قَيِّماً والأول هو الظاهر . والإنذار : الإعلام المقترن بتخويف وتهديد . فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذارا . والإنذار يتعدى إلى مفعولين ، كما في قوله تعالى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) [ الليل : 14 ] ، وقوله إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً [ النبأ : 40 ] الآية . وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار ، فحذف في الموضع الأول مفعول الإنذار الأول ، وحذف في الثاني مفعول الثاني ، فصار المذكور دليلا على المحذوف في الموضعين . وتقدير المفعول الأول المحذوف في الموضع الأول : لينذر الذين كفروا بأسا شديدا من لدنه . وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني : وينذر الذين قالوا اتخذا اللّه ولدا بأسا شديدا من لدنه . وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين . وبشارة للمؤمنين المتقين . إذ قال في تخويف الكفرة به لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وقال وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) الآية . وقال في بشارته للمؤمنين : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ( 2 ) الآية . وهذا الذي ذكره هنا من كونه إنذارا لهؤلاء وبشارة لهؤلاء بينه في مواضع أخر