الشنقيطي
524
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الصَّالِحُونَ ( 105 ) [ 105 ] . أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة : أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة ، كالتوراة والإنجيل ، وزبور داود ، وغير ذلك . وأن المراد بالذكر : أم الكتاب ، وعليه فالمعنى : ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب . وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه . وقيل الزبور في الآية : زبور داود ، والذكر : التوراة ؛ وقيل غير ذلك . وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد . واعلم أن قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء ، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فنذكر الجميع ؛ لأنه كله حق داخل في الآية . ومن ذلك هذه الآية الكريمة ، لأن المراد بالأرض في قوله هنا أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) فيه للعلماء وجهان : الأول - أنها أرض الجنة يورثها اللّه يوم القيامة عبادة الصالحين . وهذا القول يدل له قوله تعالى : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 74 ) [ الزمر : 74 ] وقد قدمنا معنى إيراثهم الجنة مستوفى في سورة « مريم » . الثاني - أن المراد بالأرض : أرض العدو يورثها اللّه المؤمنين في الدنيا : ويدل لهذا قوله تعالى : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 27 ) [ الأحزاب : 27 ] ، وقوله : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا [ الأعراف : 137 ] الآية ، وقوله تعالى : قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) [ الأعراف : 128 ] ، وقوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ النور : 55 ] الآية ، وقوله تعالى فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [ إبراهيم : 13 - 14 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة فِي الزَّبُورِ بفتح الزاي ومعناه الكتاب . وقرأ حمزة وحده ( في الزّبور ) بضم الزاي . قال القرطبي : وعلى قراءة حمزة فهو جمع زبر . والظاهر أنه يريد الزبر بالكسر بمعنى الزبور أي المكتوب . وعليه فمعنى قراءة حمزة : ولقد كتبنا في الكتب : وهي تؤيد أن المراد بالزبور على قراءة الفتح جنس الكتب لا خصوص زبور وداود كما بينا . وقرأ حمزة « يرثها عبادي » بإسكان الياء ، والباقون بفتحها . قوله تعالى : إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) [ 106 ] . الإشارة في قوله هذا للقرآن العظيم ، الذي منه هذه السورة الكريمة . والبلاغ :