الشنقيطي
515
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب ؟ قلت : لما كانت وسوسته إليه ، وطاعته له فيما وسوس سببا فيما مسه اللّه به من النصب والعذاب نسبه إليه ، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى اللّه في دعائه ، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو . وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ، ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى اللّه تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل . وروي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين ؛ فارتد أحدهم فسأل عنه ، فقيل : ألقى إليه الشيطان أن اللّه لا يبتلي الأنبياء الصالحين . وذكر في سبب بلائه : أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه . وقيل : كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه . وقيل . أعجب بكثرة ماله - انتهى منه . ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين : أن اللّه سلط الشيطان على ماله وأهله ابتلاء لأيوب ؛ فأهلك الشيطان ماله وولده ، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها ، فصار في جده ثآليل ، فحكها بأظافره حتى دميت ، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه ، وعصم اللّه قلبه ولسانه . ( وغالب ذلك من الإسرائيليات ) وتسليطه للابتلاء على جسده ، وماله وأهله ممكن ، وهو أقرب من تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا ينبغي ؛ كمداهنة الملك المذكور ، وعدم إغاثة الملهوف ، إلى غير ذلك من الأشياء التي يذكرها المفسرون . وقد ذكروا هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه ، وقدر مدته ( وكل ذلك من الإسرائيليات ) وقد ذكرنا هنا قليلا . وغاية ما دل عليه القرآن : أن اللّه ابتلى نبيه أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وأنه ناداه فاستجاب له وكشف عنه كل ضر ، ووهبه أهله ومثلهم معهم ، وأن أيوب نسب ذلك في « ص » إلى الشيطان . ويمكن أن يكون سلطه اللّه على جسده وماله وأهله ؛ ابتلاء ليظهر صبره الجميل ، وتكون له العافية الحميدة في الدنيا والآخرة ، ويرجع له كل ما أصيب فيه ، والعلم عند اللّه تعالى وهذا لا ينافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب ، لأن التسليط على الأهل والمال والجسد من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض ، وذلك يقع للأنبياء ، فإنهم يصيبهم المرض ، وموت الأهل ، وهلاك المال لأسباب متنوعة . ولا مانع من أن يكون جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء وقد أوضحنا جواز وقوع الأمراض والتأثيرات البشرية على الأنبياء في سورة « طه » وقول اللّه لنبيه أيوب في سورة « ص » : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ ص : 44 ] الآية ، قال المفسرون فيه : إنه حلف في مرضه ليضربن زوجه مائة سوط ، فأمره اللّه أن يأخذ ضغثا فيضربها به ليخرج من يمينه ، والضغث : الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو نحو