الشنقيطي
500
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عباس : ما تقول أنت ؟ قال : هو أجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلمه إياه . فقال : ما اعلم منها غير ما تعلم . إلى أن قال رحمه اللّه : والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص . وأن منهم من يفهم في الآية حكما أو حكمين . ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك . ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره . وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به ، فيفهم من اقترانه به قدرا زائدا على ذلك اللفظ بمفرده . وهذا باب عجيب من فهم القرآن ، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم ، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به : كما فهم ابن عباس من قوله تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] مع قوله : * وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] أن المرأة قد تلد لستة أشهر . . إلى آخر كلامه رحمه اللّه . وإنما أكثرنا في هذه المباحث من نقل كلام ابن القيم رحمه اللّه كما رأيت ؛ لأنه جاء فيها بما لم يأت به من تقدمه ولا من تأخر عنه - تغمده اللّه برحمته الواسعة ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا . وقد تركنا كثيرا من نفائس كلامه في هذه المواضيع خشية الإطالة الكثيرة . المسألة السابعة [ استهزاء الظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين رحمهم اللّه ] اعلم أن استهزاء للظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين رحمهم اللّه ، ودعواهم أن قياساتهم متناقضة ينقض بعضها بعضا ، وأن ذلك دليل على أنها كلها باطلة وليست من الدين في شيء - إذا تأمل فيه المنصف العارف وجد الأئمة رحمهم اللّه أقرب في أغلب ذلك إلى الصواب ، والعمل بما دلت عليه النصوص من الظاهرية الساخرين المستهزئين . وسنضرب لك بعض الأمثلة لذلك لتستدل به على غيره . اعلم أن من أعظم المسائل التي قال فيها الظاهرية بتناقض أقيسة الأئمة ، وتكذيب بعضها لبعض ، وأن ذلك يدل على بطلان كل قياس من أقيستهم ، هي مسألة الربا التي قال فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، يدا بيد ؛ فمن زاد أو استزاد فقد أربى » . قال الظاهرية : فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما حرم الربا في الستة المذكورة ؛ فتحريمه في شيء غيرها قول على اللّه وعلى رسوله ، وتشريع زائد على ما شرعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قالوا : والذين زادوا على النص أشياء يحرم فيها الربا اختلفت أقوالهم ، وتناقضت أقيستهم . فبعضهم يقول : التمر ، والبلوط ثمر شجر يؤكل ويدبغ بقشره . وبعضهم يقول هي الكبل . وبعضهم يقول هي