الشنقيطي
493
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها . وأمره نهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية . فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين : إما الكوني ، وإما الشرعي الأمري ؛ فقد بين اللّه سبحانه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به ، وجميع ما نهى عنه ، وجميع ما أحله ، وجميع ما حرمه ، وجميع ما عفا عنه ؛ وبهذا يكون دينه كاملا كما قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ المائدة : 3 ] ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص ، وعن وجه الدلالة وموقعها ، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن اللّه ورسوله لا يحصيه إلا اللّه جل وعلا . ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقسام العلماء في العلم ، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث ، وقد أثنى عليه وعلى داود بالحكم والعلم . وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه : الفهم الفهم فيما أدلى إليك . وقال علي رضي اللّه عنه : إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه . وقال أبو سعيد : كان أبو بكر رضي اللّه عنه أعلمنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ودعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه بن عباس : « أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل » « 1 » والفرق بين الفقه والتأويل : أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي آخيته وأصله ، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل . فمعرفة التأويل يختص بها الراسخون في العلم ، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى ، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه ، واللّه يعلم بطلانه - إلى أن قال رحمه اللّه : وكل فرقة من هؤلاء الفرق الثلاث : يعني نفاة القياس بالكلية ، والغالين فيه ؛ والقائلين بأن العلل الشرعية أمارات وعلامات فقط ، لا مصالح أنيطت بها الأحكام وشرعت من أجلها - سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق ؛ فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله . فنفاة القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل ، واعتبار الحكم والمصالح ، وهو من الميزان والقسط الذي أنزله اللّه - احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب ، فحملوهما فوق الحاجة ، ووسعوهما أكثر مما يسعانه . فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه ولم يبالوا مما وراءه ، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوا الاستصحاب . وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها . والمحافظة عليها ، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد . وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة ، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس ، وتركهم له ، وأخذوا بقياس تركهم وما هو أولى منه ؛ ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه : أحدها - رد القياس الصحيح ، ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما لعن
--> ( 1 ) سبق تخريجه .