الشنقيطي

491

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

البول يستقر فيه لركوده فيقذره . فيلزم على قول الظاهرية : أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول ثم صبها في الماء الراكد ، أو تغوط فيه - أن كل ذلك عفو لأنه مسكوت عنه ؛ فيكون اللّه على قولهم ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه ، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه بصبه فيه من الآنية . وكذلك يأذن في التغوط فيه ! . وهذا لو صدر من أدنى عاقل لكان تناقضا معيبا عند جميع العقلاء . فكيف بمن ينسب ذلك إلى اللّه ورسوله عياذا باللّه تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص ! ! وربما ظن الإنسان الأجر والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب ؛ كما قيل : أمنفقة الأيتام من كد فرجها * لك الويل لا تزني ولا تتصدقي ومن ذلك - نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن التضحية بالعوراء مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء ؛ فإنه يلزم على قول الظاهرية : أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العور خاصة ؛ فتكون العمياء مما سكت اللّه عن حكم التضحية به فيكون ذلك عفوا . وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح ؛ لأن المفهوم من العور غير المفهوم من العمى ؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر ؛ بخلاف العمى فلا يطلق في ذلك . وتفسير العور : بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة ؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معا . وبالجملة فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى . فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء لأنها مسكوت عنها وأمثال هذا منهم كثيرة جدا . وقصدنا التنبيه على بطلان أساس دعواهم ، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع والحكم والمصالح التي هي مناط الأحكام ، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه يؤثر في الحكم . واعلم أن التحقيق الذي لا شك فيه : أن اللّه تعالى يشرع الأحكام لمصالح الخلق ؛ فأفعاله وتشريعاته كلها مشتملة على الحكم والمصالح من جلب المنافع ، ودفع المضار . فما يزعمه كثير من متأخري المتكلمين تقليدا لمن تقدمهم : من أن أفعاله جل وعلا لا تعلل بالعلل الغائية ، زاعمين أن التعليل بالأغراض يستلزم الكمال بحصول الغرض المعلل به ، وأن اللّه جل وعلا منزه من ذلك لاستلزامه النقص - كله كلام باطل ! ولا حاجة إليه البتة ! لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين : أن اللّه جل وعلا غني لذاته الغني المطلق ، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة : * يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) [ فاطر : 15 ] ، ولكنه جل وعلا يشرع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين الفقراء إليه ؛ لا لأجل مصلحة تعود إليه هو سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وادعاء كثير من أهل الأصول : أن العلل الشرعية مطلق أمارات وعلامات للأحكام - ناشىء عن ذلك الظن الباطل ؛ فاللّه جل وعلا يشرع الأحكام لأجل العلل المشتملة على