الشنقيطي

489

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد ذكرنا في هذا الكلام جملا وافية من أدلتهم على ذلك بواسطة نقل العلامة ابن القيم رحمه اللّه في ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) ولم نتتبع جميع أدلتهم لئلا يؤدي ذلك إلى الإطالة المملة . وقد رأيت فيما ذكرنا حجج القائلين بالقياس والاجتهاد فيما لا نص فيه ، وحجج المانعين لذلك . المسألة السادسة [ القياس قسمان : ] اعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت - أن القياس قسمان : قياس صحيح ، وقياس فاسد . أما القياس الفاسد - فهو الذي ترد عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية وتدل على بطلانه ، ولا شك أنه باطل ، وأنه ليس من الدين كما قالوا ، وكما هو الحق . وأما القياس الصحيح - فلا يرد عليه شيء من تلك الأدلة ، ولا يناقض بعضه بعضا ، ولا يناقض البتة نصا صحيحا من كتاب أو سنة . فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ، فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة ، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح ، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة ، يصدق بعضها بعضا ، ويشهد بعضها لبعض . فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا . وضابط القياس الصحيح - هو أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه . وكذلك القياس المعروف ب « القياس في معنى الأصل » الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم ؛ فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه ، ولا يعارض نصا ، ولا يتعارض هو في نفسه . وسنضرب لك أمثلة من ذلك . تستدل بها على جهل الظاهرية القادح الفاضح ، وقولهم على اللّه وعلى رسوله وعلى دينه أبطل الباطل ، الذي لا يشك عاقل في بطلانه ، وعظم ضرره على الدين ؛ بدعوى أنهم واقفون مع النصوص ، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب أو سنة فهو معفو عنه ، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع ، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع . وقالوا على اللّه ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه ؛ فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي اللّه عنه : من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان » « 1 » فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحكم في وقت الغضب ، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا ؛ لأن الغضب

--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في الأحكام حديث 7158 ، ومسلم في الأقضية حديث 16 .