الشنقيطي
482
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الإبل » « 1 » - أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام ، حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه - أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودا . وأين يفهم من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن لم يكن له مخرج فخلّوا سبيله ، فإنّ الإمام إن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة » « 2 » - أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه . وأن هذا المفهوم من قوله « ادرءوا الحدود بالشّبهات » فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود ، وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد . ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه . وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم اللّه لذلك ، ويفهم هذا من « ادرءوا الحدود بالشّبهات » ، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر . قالوا : فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره ، وننكر أن يكون في كلام اللّه ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما . قالوا : ومن أين يفهم من قوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً [ النحل : 66 ] ، ومن قوله : يا أُولِي [ الحشر : 2 ] - تحريم بيع الكشك باللبن ؛ وبيع الخل بالعنب ، ونحو ذلك . قالوا : وقد قال تعالى : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ الشورى : 10 ] ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم . ولم يجعل اللّه آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا . قالوا : وقد قال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ الأحزاب : 36 ] فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله ؛ لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم . وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة ، وقال : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأنعام : 50 ] ، وقال : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة : 49 ] ، وقال تعالى : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ الشورى : 21 ] - قالوا : فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به اللّه من الدين فهو شرع غيره بالباطل . قالوا : وقد أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه تبارك وتعالى : أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده ، مباح إباحة العفو ، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما ، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه ، إذ
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن عائشة : الترمذي في الحدود حديث 1424 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الحدود 4 / 384 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الحدود 8 / 238 .