الشنقيطي

479

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تبعهم ، وسنذكر هنا إن شاء اللّه جملا وافية من ذلك ثم نبين الصواب فيه إن شاء اللّه تعالى . قالوا : فمن ذلك قوله تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ النساء : 59 ] وأجمع المسلمون على أن الرد إلى اللّه سبحانه هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه هو الرد إليه في حضوره وحياته ، وإلى سنته في غيبته وبعد مماته ، والقياس ليس بهذا ولا هذا ، ولا يقال الرد إلى القياس هو من الرد إلى اللّه ورسوله ؛ لدلالة الكتاب اللّه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام كما تقدم تقريره ؛ لأن اللّه سبحانه إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله ، ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا فقط ؛ بل قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة : 49 ] ، وقال : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [ النساء : 105 ] ولم يقل بما رأيت أنت . وقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 ) ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 ) ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 47 ) [ المائدة : 44 - 47 ] ، وقال تعالى : اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الأعراف : 3 ] ، وقال تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [ النحل : 89 ] ، وقال : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) [ العنكبوت : 51 ] ، وقال : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [ سبأ : 50 ] فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي . وقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النساء : 65 ] فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده ، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكم سنته فقط بعد وفاته ، وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الحجرات : 1 ] أي لا تقولوا حتى يقول : قال نفاة القياس : والإخيار عنه بأنه حرم ما سكت عنه ، أو أوجبه قياسا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه - تقدم بين يديه . فإنه إذا قال : حرمت عليكم الربا في البر ، فقلنا : ونحن نقيس على قولك البلوط ، فهذا محض التقدم ، قالوا : وقد حرم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم . فإذا قلنا ذلك فقد واقعنا هذا المحرم يقينا ، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم ، وهذا قفو منا ما ليس لنا به علم ، وتعد لما حد لنا ومن يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه . والواجب أن نقف عند حدوده ، ولا نتجاوزها ولا نقصر بها . ولا يقال : فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدم بين يدي اللّه ورسوله ، وتحريم لما لم ينص على تحريمه ، وقفو منكم لما ليس لكم به علم ؛ لأنا نقول : اللّه سبحانه وتعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ، وأنزل علينا كتابه ، وأرسل إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة ؛ فما علمناه وبينه لنا فهو من الدين ، وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة ، وكل ما ليس من الدين فهو باطل ، فليس بعد الحق إلا الضلال . وقال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] فالذي أكمله اللّه