الشنقيطي
473
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومنها - اجتهاد الصالحين اللذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر ؛ فصوبهما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال للذي لم يعد « أصبت السنة وأجزأتك صلاتك » ، وقال للآخر : « لك الأجر مرتين » « 1 » . ومنها - اجتهاد مجزز المدلجي بالقيامة ، وقال : إن أقدام زيد وأسامة بعضها من بعض ، وقد سر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك حتى برقت أسارير وجهه « 2 » . وذلك دليل على صحة إلحاق ذلك القائف الفرع بالأصل ، مع أن زيدا أبيض وأسامة أسود ؛ فألحلق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله ، وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم . ومنها - اجتهاد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في الكلالة قال : أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن اللّه ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ( أراه ما خلا الوالد والولد ) فلما استخلف عمر قال : إني لأستحيي من اللّه أن أرد شيئا قاله أبو بكر « 3 » . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : ومن أغرب الأشياء عندي ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أشار له إلى معنى الكلالة إشارة واضحة جدا . ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه ، وأن الوحي ينزل مطابقا لقوله مرارا . وذلك أنه رضي اللّه عنه قال : ما سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلام حتى طعن بأصبعه في صدري وقال : « تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء » « 4 » . وهذا الإرشاد من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واضح كل الوضوح في أنه يريد : أن الكلالة هي ما عدا الولد بالوالد ؛ لأن آية الصيف المذكورة التي أخبره أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [ النساء : 176 ] صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد . وقوله فيها : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [ النساء : 12 ] يدل بالالتزام على أنها لا أب فيها ، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب . وذلك مما لا نزاع فيه . فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن الكلالة ما عدا الولد والوالد ، ولم يفهم عمر رضي اللّه عنه الإشارة النبوية المذكورة ، فالكمال التام له جل وعلا وحده ، سبحانه وتعالى علوا كبيرا . ومنها - اجتهاد ابن مسعود رضي اللّه عنه في المرأة التي توفي زوجها ولم يفرض لها
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : أبو داود في الطهارة حديث 338 ، والنسائي في الغسل والتيمم ، باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة ، والدارمي في الصلاة والطهارة ، باب التيمم 1 / 190 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه عن الشعبي : الدارمي في الفرائض باب الكلالة 2 / 365 ، 366 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الفرائض 6 / 224 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الفرائض حديث 9 .