الشنقيطي

446

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أصل في الهجرة والعزلة ، وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام ، وذلك حين خلصه اللّه من النار قال : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي مهاجر من بلد قومي ومولدي ، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ فيما نويت إلى الصواب . وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك العالمين في الأرض المذكورة ، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية بقوله : إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) - بينه في غير الموضع ؛ كقوله : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها [ الأنبياء : 17 - 18 ] الآية ، وقوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [ الإسراء : 1 ] الآية . ومعنى كونه ( بارك فيها ) ؛ هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار والأنهار والثمار ؛ كما قال تعالى : لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 96 ] ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها . وقال بعض أهل العلم : ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس . وجاء في ذلك حديث مرفوع ، والظاهر أنه لا يصح . وفي قوله تعالى : إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها [ الأنبياء : 71 ] أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا . وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامته دينه - واجب . وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك . قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ ( 72 ) [ 72 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه وهب لإبراهيم ابنه إسحاق ، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وأنه جعل الجميع صالحين . وقد أوضح البشارة بهما في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ( 71 ) [ هود : 71 ] ، وقوله : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) [ الصافات : 112 ] . وقد أشار تعالى في سورة « مريم » إلى أنه لما هجر الوطن والأقارب عوضه اللّه من ذلك قرة العين بالذرية الصالحة ، وذلك في قوله : فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) [ مريم : 49 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة : نافِلَةً قال فيه ابن كثير : قال عطاء ومجاهد : نافلة عطية . وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة : النافلة : ولد الولد ، يعني أن يعقوب ولد إسحاق . قال مقيده عفا للّه عنه وغفر له : أصل النافلة في اللغة : الزيادة على الأصل ، ومنه النوافل في العبادات ، لأنها زيادات على الأصل الذي هو الفرض . وولد الولد زيادة على لأصل ، الذي هو ولد الصلب ، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :