الشنقيطي
444
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزّرا . فاختاروا له أفظع قتلة ، وهي الإحراق بالنار . وإلّا فقد فرطتم في نصرها . قوله تعالى : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) [ 69 - 70 ] . في الكلام حذف دلّ المقام عليه ، وتقديره : قالوا حرّقوه فرموه في النار ، فلما فعلوا ذلك قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً وقد بيّن في « الصافات » أنهم لما أرادوا أن يلقوه في النار بنوا له بنيانا ليلقوه فيه . وفي القصة : أنهم ألقوه من ذلك البنيان العالي بالمنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس ( يعنون الأكراد ) ، وأنّ اللّه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، قال تعالى : قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) [ الصافات : 97 ] . والمفسرون يذكرون من شدة هذه النار وارتفاع لهبها ، وكثرة حطبها شيئا عظيما هائلا . وذكروا عن نبي اللّه إبراهيم أنهم لما كتفوه مجردا ورموه إلى النار ، قال له جبريل : هل لك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، وأما اللّه فنعم ! قال : لم لا تسأله ؟ قال : علمه بحالي كاف عن سؤالي . وما ذكر اللّه جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : من أنّه أمر النار بأمره الكوني القدري أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم - يدلّ على أنه أنجاه من تلك النار ؛ لأن قوله تعالى : كُونِي بَرْداً يدلّ على سلامته من حرّها . وقوله : وَسَلاماً . يدلّ على سلامته من شرّ بردها الذي انقلبت الحرارة إليه . وانجاؤه إياه منها الذي دلّ عليه أمره الكوني القدري هنا جاء مصرّحا به في « العنكبوت » في قوله تعالى : فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ [ العنكبوت : 24 ] وأشار إلى ذلك هنا بقوله : وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً [ الأنبياء : 71 ] الآية . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) [ الأنبياء : 70 ] يوضحه ما قبله . فالكيد الذي أرادوه به إحراقه بالنار نصرا منهم لآلهتهم في زعمهم ، وجعله تعالى إياهم الأخسرين ؛ أي الذين هم أكثر خسرانا لبطلان كيدهم وسلامته من نارهم . وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضا في سورة « الصافات » في قوله : فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ ( 98 ) [ الصافات : 98 ] وكونهم الأسفلين واضح لعلوه عليهم وسلامته من شرهم . وكونهم الأخسرين لأنهم خسروا الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . وفي القصة : أن اللّه سلط عليهم خلقا من أضعف خلقه فأهلكهم وهو البعوض . وفيها أيضا : أن كلّ الدواب تطفئ عن إبراهيم النار ، إلا الوزغ فإنه ينفخ النار عليه .