الشنقيطي

430

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ونظير هذا قول الآخر : فقل للشامتين بنا أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا قوله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 35 ) [ 35 ] . المعنى : وتختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا ، ومما يجب فيه الشكر من النعم ، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر ، وقوله فِتْنَةً مصدر مؤكد ل وَنَبْلُوكُمْ من غير لفظة . وما ذكره جل وعلا : من أنّه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير قد بيّنه في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 168 ) [ الأعراف : 168 ] ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) [ الأنعام : 42 - 45 ] ، وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) [ الأعراف : 94 - 95 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ يدلّ على أنّ بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنّعم ، وبالمصائب والبلايا . وقال بعض العلماء : أكثر ما يستعمل في الشرّ بلا يبلو ، وفي الخير أبلى يبلي . وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى : جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ قال : أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والحلال والحرام ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال « 1 » . قوله تعالى : وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ ( 36 ) [ 36 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا رأوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يتخذونه إلا هزوا ، أي مستهزأ به مستخفا به . والهزؤ : السخرية ، فهو مصدر وصف به . ويقولون : أهذا

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 19 ، وابن كثير في التفسير 3 / 179 .