الشنقيطي

43

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حديث السائب بن أبي السائب أنه قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك ، لا تداريني ولا تماريني . أخرجه أبو داود « 1 » وابن ماجة « 2 » . ولفظه : كنت شريكي ونعم الشريك . كنت لا تداري ولا تماري . وأخرجه أيضا النسائي « 3 » والحاكم « 4 » وصححه . وفيه إقرار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له على كونه كان شريكا له . والأحاديث الدالة على الشركة كثيرة جدا . وقد قال ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب الشركة « 5 » ما نصه : اشتمل كتاب الشركة ( يعني من صحيح البخاري ) من الأحاديث المرفوعة على سبعة وعشرين حديثا ، المعلق منها واحد ، والبقية موصولة ، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثا ، والخالص أربعة عشر ، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث النعمان « مثل القائم على حدود اللّه » ، وحديثي عبد اللّه بن هشام ، وحديثي عبد اللّه بن عمر ، وحديث عبد اللّه بن الزبير في قصته ، وحديث ابن عباس الأخير . وفيه من الآثار أثر واحد . واللّه أعلم انتهى كلام ابن حجر . وبهذا تعلم كثرة الأحاديث الدالة على الشركة في الجملة . وأما الإجماع فقد أجمع جميع علماء المسلمين على جواز أنواع من أنواع الشركات ، وإنما الخلاف بينهم في بعض أنواعها . اعلم أولا - أن الشركة قسمان : شركة أملاك ، وشركة عقود . فشركة الأملاك - أن يملك عينا اثنان أو أكثر بإرث ، أو شراء ، أو هبة ونحو ذلك . وهي المعروفة عند المالكية بالشركة الأعمية . وشركة العقود - تنقسم إلى شركة مفاوضة ، وشركة عنان ، وشركة وجوه ، وشركة أبدان ، وشركة مضاربة . وقد تتداخل هذه الأنواع فيجتمع بعضها مع بعض . أما شركة الأملاك فقد جاء القرآن الكريم بها في قوله تعالى : فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ [ النساء : 12 ] ولا خلاف فيها بين العلماء . وأما أنواع شركة العقود فسنذكر إن شاء اللّه هنا معانيها ، وكلام العلماء فيها ، وأمثلة للجائز منها تنبيها بها على غيرها ، وما ورد من الأدلة في ذلك . اعلم - أن شركة المفاوضة مشتقة من التفويض ؛ لأن كل واحد منهما يفوض أمر التصرف بمال الشركة إلى الآخر ؛ ومن هذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون : وَأُفَوِّضُ

--> ( 1 ) كتاب الأدب حديث 4835 . ( 2 ) كتاب التجارات حديث 2287 . ( 3 ) كتاب عمل اليوم والليلة ، باب ما يقول للقادم إذا قدم عليه . ( 4 ) المستدرك ، كتاب البيوع 2 / 61 . ( 5 ) باب من عدل عشرة من الغنم بجذور في القسم ( الخاتمة ) حديث ( 2507 ) ، 5 / 139 .