الشنقيطي

423

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

« البقرة » : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) [ البقرة : 116 ] ، وقوله في « النساء » : إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( 171 ) [ النساء : 171 ] أي والمالك بكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد ؛ لأن الملك ينافي الولدية ، ولا يمكن أن يوجد شيء سواه إلا وهو ملك له جلّ وعلا . وما ذكره في هذه الآية الكريمة : من الثناء الحسن على ملائكته عليهم صلوات اللّه وسلامه - بينه في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى ؛ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 ) [ التحريم : 11 ] ، وقوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ( 12 ) [ الانفطار : 10 - 12 ] ، وقوله تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) [ الأنبياء : 19 - 20 ] إلى غير ذلك من الآيات . مسألة أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن : أن الأب إذا ملك ابنة عتق عليه بالملك . ووجه ذلك واضح ؛ لأنّ الكفار زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه ؛ فنفى اللّه تلك الدعوى بأنهم عباده وملكه . فدلّ ذلك على منافاة الملك الولديّة ، وأنهما لا يصحّ اجتماعهما . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) [ 29 ] . الضمير في قوله مِنْهُمْ عائد إلى الملائكة المذكورين في قوله : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) [ الأنبياء : 26 ] والمعنى : أنّهم مع كرامتهم على اللّه لو ادّعى أحد منهم أنّ له الحقّ في صرف شيء من حقوق اللّه الخاصة به إليه فكان مشركا ، وكان جزاؤه جهنّم . ومعلوم أن التعليق يصحّ فيما لا يمكن ولا يقع ؛ كقوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [ الزخرف : 81 ] الآية ، وقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] والمراد بذلك تعظيم أمر الشرك . وهذا الفرض والتقدير الّذي ذكره جلّ وعلا هنا في شأن الملائكة ، ذكره أيضا في شأن الرسل على الجميع صلوات اللّه وسلامه قال تعالى : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) [ الزمر : 65 ] ولمّا ذكر جلّ وعلا من ذكر من الأنبياء في سورة « الأنعام » في قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ [ الأنعام : 84 ] إلى آخر من ذكر منهم قال بعد ذلك - ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) [ الأنعام : 88 ] .