الشنقيطي
421
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) [ الأنعام : 109 ] . وأشار إلى ذلك هنا في قوله : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 ) [ الأنبياء : 6 ] يعني أنّ الأمم الذين اقترحوا الآيات من قبلهم وجاءتهم رسلهم بما اقترحوا ، لم يؤمنوا بل تمادوا فأهلكهم اللّه وأنتم أشدّ منهم عتوّا وعنادا ؛ فلو جاءكم ما اقترحتم ، ما آمنتم ، فهلكتم كما هلكوا . وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [ يونس : 96 - 97 ] إلى غير ذلك من الآيات . وبيّن أنّهم جاءتهم آية هي أعظم الآيات ، فيستحق من لم يكتف بها التقريع والتوبيخ ، وذلك في قوله : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ [ العنكبوت : 50 - 51 ] الآية . وقد ذكرنا أن هذا المعنى يشير إليه قوله : وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 133 ) [ طه : 133 ] ، وقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا - إلى قوله - وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) [ الأنبياء : 21 ] قد قدّمنا الآيات الموضحة لذلك ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى : ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ( 9 ) [ 9 ] . بيّن جلّ وعلا في هذه الآيات : أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم ، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة ، وأنّه صدق رسله ذلك الوعد فأنجاهم . وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه . . والمراد به من آمن بهم من أممهم ، وأهلك المسرفين وهم الكفّار المكذبون الرسل ، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه ، كقوله تعالى حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) [ يوسف : 110 ] ، وقوله : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) [ إبراهيم : 47 ] ، وقوله تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [ إبراهيم : 14 ] ، وقوله : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) [ الصافات : 171 - 173 ] ، وقوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [ هود : 58 ] الآية ، وقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [ هود : 66 ] الآية ، وقوله : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [ هود : 94 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والظاهر أنّ « صدق » تتعدى بنفسها وبالحرف ، تقول : صدقته الوعد ، وصدقته في الوعد ؛ كقوله هنا : ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ ، وقوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [ آل عمران : 152 ] . فقول الزمخشري « صدقناهم الوعد » كقوله : « واختار موسى قومه سبعين رجلا » لا حاجة