الشنقيطي
418
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنبياء قوله تعالى : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [ 1 ] الآية . قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في أول سورة « النحل » فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ 3 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم ، قائلين : إن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو إلّا بشر مثلهم ، فيكف يكون رسولا إليهم ؟ والنجوى : الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس . وما دلّت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم : أنّ بشرا مثلهم لا يمكن أن يكون رسولا ، وتكذيب اللّه لهم في ذلك - جاء في آيات كثيرة ، وقد قدّمنا كثيرا من ذلك ، كقوله : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] ، وقوله : فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [ التغابن : 6 ] الآية ، وقوله : أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [ القمر : 24 ] وقوله : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [ المؤمنون : 33 - 34 ] ، وقوله تعالى : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] الآية ، وقوله تعالى : قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا [ إبراهيم : 10 ] الآية . والآيات بمثل ذلك كثيرة جدّا ، كما تقدّم إيضاح ذلك . وقد رد اللّه عليهم هذه الدعوى الكاذبة الّتي هي منع إرسال البشر ، كقوله هنا في هذه السورة الكريمة : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 43 ] ، وقوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [ الرعد : 38 ] الآية ، وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] ، وقوله هنا : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) [ الأنبياء : 8 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وجملة هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . قيل بدل من « النّجوى » ؛ أي أسرّوا النجوى الّتي هي هذا الحديث الخفي الذي هو قولهم : هل هذا إلّا بشر مثلكم . وصدر به الزمخشري ، وقيل : مفعول به للنجوى ؛ لأنها بمعنى القول الخفي ؛ أي قالوا في خفية : هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . وقيل : معمول قول محذوف ؛ أي قالوا هل هذا إلّا بشر مثلكم . وهو أظهرها ؛ لأطراد حذف