الشنقيطي
414
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) [ طه : 125 ] فصرّح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين ، لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلّت على ذلك آيات كثيرة من كتاب اللّه ، وقد زاد جلّ وعلا في سورة « بني إسرائيل » أنّه مع ذلك العمى يحشر أصمّ أبكم أيضا ، وذلك في قوله تعالى : وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ( 97 ) [ الإسراء : 97 ] . تنبيه في آية « طه » هذه وآية « الإسراء » المذكورتين إشكال معروف . وهو أن يقال : إنهما قد دلّتا على أن الكافر يحشر يوم القيامة أعمى ، وزادت آية « الإسراء » أنه يحشر أبكم أصمّ أيضا ، مع أنه دلّت آيات من كتاب اللّه على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون ؛ كقوله تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [ مريم : 38 ] الآية ، وقوله تعالى : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [ الكهف : 53 ] الآية ، وقوله تعالى : قالوا رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً [ السجدة : 12 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد ذكرنا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب . عن آيات الكتاب ) الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه : الوجه الأول - واستظهره أبو حيان أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم حقيقته ؛ ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يردّ اللّه تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها ، وينطقون بما حكى اللّه تعالى عنهم في غير موضع . الوجه الثاني - أنّهم لا يرون شيئا يسرّهم ، ولا يسمعون كذلك ، ولا ينطقون بحجة ، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه . وأخرج ذلك ابن جرير « 1 » وابن أبي حاتم عن ابن عباس وروي أيضا عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره . وعلى هذا القول فقد نزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به ؛ كما أوضحنا في غير هذا الموضع . ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه . ألا ترى أن اللّه يقول في المنافقين : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] الآية ، مع أنه يقول فيهم : فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [ الأحزاب : 19 ] ، ويقول فيهم : وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [ المنافقون : 4 ] أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم . ويقول فيهم : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ البقرة : 20 ] وما ذلك إلّا لأنّ الكلام ونحوه الّذي لا فائدة فيه كلا شيء : فيصدق على صاحبه أنّه أعمى وأصم وأبكم ، ومن ذلك قول قعنب ابن أم صاحب :
--> ( 1 ) جامع البيان 15 / 112 .