الشنقيطي
412
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الظاهر أن الخطاب لبني آدم ؛ أي فإن يأتكم مني هدى أيّ رسول أرسله إليكم ، وكتاب يأتي به رسول ، فمن اتّبع منكم هداي أي من آمن برسلي وصدّق بكتبي ، وامتثل ما أمرت به ، واجتنب ما نهيت عنه على ألسنة رسلي ؛ فإنه لا يضلّ في الدنيا ، أي لا يزيغ عن طريق الحق لاستمساكه العروة الوثقى ، ولا يشقى في الآخرة لأنّه كان في الدنيا عاملا بما يستوجب السعادة من طاعة اللّه تعالى وطاعة رسله . وهذا المعنى المذكور هنا ذكر في غير هذا الموضع ؛ كقوله في « البقرة » : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ونحو ذلك من الآيات . وفي هذه الآيات دليل على أن اللّه بعد أن أخرج أبوينا من الجنة لا يرد إليهما أحدا منا إلا بعده الابتلاء والامتحان بالتكاليف من الأوامر والنواهي ، ثم يطيع اللّه فيما ابتلاه به ؛ كما تقدمت الإشارة إليه في سورة « البقرة » . قوله تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [ 124 ] . قد قدمنا في سورة « الكهف » في الكلام على قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها [ الكهف : 57 ] الآية - الآيات الموضحة نتائج الإعراض عن ذكر اللّه تعالى الوخيمة ؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقد قدّمنا هناك أن منها المعيشة الضنك . واعلم أن الضنك في اللغة : الضيق ؛ ومنه قول عنترة : إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا * أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل وقوله أيضا : إنّ المنية لو تمّثل مثّلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وأصل الضنك مصدر وصف به ، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع . وبه تعلم أن معنى قوله مَعِيشَةً ضَنْكاً أي عيشا ضيقا والعياذ باللّه تعالى . واختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على أقوال متقاربة ، لا يكذب بعضها بعضا . وقد قدمنا مرارا : أن الأولى في مثل ذلك شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة . ومن الأقوال في ذلك : أن معنى ذلك أن اللّه عزّ وجلّ جعل مع الدين التسليم والقناعة ، والتوكل على اللّه ، والرضا بقسمته فصاحبه ينفق مما رزقه اللّه بسماح وسهولة ، فيعيش عيشا هينئا . ومما يدلّ على هذا المعنى من القرآن قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] الآية ، وقوله تعالى : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ هود : 3 ] الآية ، كما تقدّم إيضاح ذلك كلّه . وأما المعرض عن الدين فإنه يستولي عليه الحرص الّذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلّط عليه الشحّ الّذي يقبض يده عن الإنفاق ، فعيشة ضنك ، وحاله مظلمة . ومن الكفرة من ضرب اللّه عليه الذلّة والمسكنة بسبب كفره ، كما قال تعالى : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ