الشنقيطي
388
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ [ البقرة : 215 ] الآية ، وقوله يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [ المائدة : 4 ] الآية ، وقوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ البقرة : 217 ] إلى غير ذلك من الآيات ، أما في آية « طه » هذه فقال فيها : فَقُلْ يَنْسِفُها بالفاء . وقد أجاب القرطبي رحمه اللّه عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ أي عن حال الجبال يوم القيامة ، فقل ؛ جاء هذا بفاء ، وكل سؤال في القرآن « قل » بغير فاء إلا هذا ؛ لأن المعنى : إن سألوك عن الجبال فقل ، فتضمن الكلام معنى الشرط ، وقد علم اللّه أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال . وتلك أسئلة تقدمت ، سألوا عنها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فجاء الجواب عقب السؤال ؛ فلذلك كان بغير فاء . وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه - انتهى منه . وما ذكره يحتاج إلى دليل ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) [ 106 - 107 ] . الضمير في قوله : فَيَذَرُها فيه وجهان معروفان عند العلماء : أحدهما - أنه راجع إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر . ونظير هذا القول في هذه الآية قوله تعالى : ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] ، وقوله : ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [ النحل : 61 ] فالضمير فيهما راجع إلى الأرض ولم يجر لها ذكر . وقد بينا شواهد ذلك من العربية والقرآن بإيضاح في سورة « النحل » فأغنى ذلك عن إعادته هنا . والثاني - أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارها لأنها مفهومة من ذكر الجبال . والمعنى : فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الأرض قاعا صفصفا . والقاع : المستوي من الأرض . وقيل : مستنقع الماء . والصفصف : المستوى الأملس الذي لا نبات فيه ولا بناء ، فإنه على صف واحد في استوائه . وأنشد لذلك سيبويه قول الأعشى : وكم دون بيتك من صفصف * ودكداك ومل وأعقادها ومنه قول الآخر : وملمومة شهباء لو قذفوا بها * شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا وقوله : لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) أي لا اعوجاج فيها ولا أمت . والأمت : النتوء اليسير ؛ أي ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على بعض ، بل هي مستوية ، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد : فاجر مزت ثم سارت وهي لاهية * في كافر به أمت ولا شرف وقول الآخر :