الشنقيطي
379
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر اللّه تعالى وذكر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم ، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه ، ويحضرون شيئا يأكلونه . هل الحضور معهم جائز أم لا ؟ أفتونا مأجورين . وهذا القول الذي يذكرونه : يا شيخ كف عن الذنوب * قبل التفرق والزلل واعمل لنفسك صالحا * ما دام ينفعك العمل أما الشباب فقد مضى * ومشيب رأسك قد نزل وفي مثل هذا ونحوه الجواب يرحمك اللّه : مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة ، وما الإسلام إلا كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما الرقص والتواجد : فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار ، قاموا يرقصون حواليه ، ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعبادة العجل . وأما القضيب : فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب اللّه تعالى . وإنما كان يجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار ؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها . ولا يحل لأحد أن يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يحضر معهم ، ولا أن يعينهم على باطلهم . هذا مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم من أئمة المسلمين وباللّه التوفيق - انتهى منه بلفظه . قال مقيده - عفا اللّه عنه وغفر له : قد قدمنا في سورة « مريم » ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق ؛ ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب اللّه وسنة ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها ، وراقبوها وعرفوا أحوالها ، وتكلموا على أحوال القلوب كلاما مفصلا كما هو معلوم ، كعبد الرحمن بن عطية ، أو ابن أحمد بن عطية ، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني ، وكعون بن عبد اللّه الذي كان يقال له حكم الأمة ، وأضرابهما ، وكسهل بن عبد اللّه التستري ، أبي طالب المكي ، وأبي عثمان النيسابوري ، ويحيى بن معاذ الرازي ، والجنيد بن محمد ، ومن سار على منوالهم ، لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب اللّه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهرا وباطنا ، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع . فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه ، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . فمن كان منهم متبعا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أقواله وأفعاله ، وهديه وسمته ، كمن ذكرنا وأمثالهم ، فإنهم من جملة العلماء العاملين ، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال . وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال . نعم ، صار المعروف في الآونة الأخيرة ، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء ، أن عاملة