الشنقيطي
365
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
في مفهومه تفصيل كما هو معلوم في علم النحو . قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) [ 78 ] . التحقيق أن أتبع واتبع بمعنى واحد ؛ فقوله : فَأَتْبَعَهُمْ أي اتبعهم ، ونظيره قوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ( 10 ) [ الصافات : 10 ] ، وقوله : ف فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ [ الأعراف : 175 ] الآية . والمعنى : أن موسى لما أسرى ببني إسرائيل ليلا أتبعهم فرعون وجنوده فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ أي البحر ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) أي أغرق اللّه فرعون وجنوده في البحر فهلكوا عن آخرهم . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن فرعون أتبع بني إسرائيل هو وجنوده ، وأن اللّه أغرقهم في البحر - أوضحه في غير هذا الموضع . وقد بين تعالى أنهم اتبعوهم في أول النهار عند إشراق الشمس ، فمن الآيات الدالة على اتباعه لهم قوله تعالى في « الشعراء » : * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) يعني سيتبعكم فرعون وجنوده . ثم بين كيفية اتباعه لهم فقال فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) [ الشعراء : 53 - 62 ] . وقوله في هذه الآية : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي أول النهار عند إشراق الشمس . ومن الآيات الدالة على ذلك أيضا قوله تعالى في « يونس » : * وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً [ يونس : 90 ] ، وقوله في « الدخان » : فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) [ الدخان : 23 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اتباعه لهم . وأما غرقه هو وجميع قومه المشار إليه بقوله هنا : فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) فقد أوضحه تعالى في مواضع متعددة من كتابه العزيز ؛ كقوله في « الشعراء » : فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) [ الشعراء : 63 - 67 ] الآية ، وقوله في « الأعراف » : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ [ الأعراف : 136 ] الآية ، وقوله في « الزخرف » : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) [ الزخرف : 55 ] ، وقوله في « البقرة » : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) [ البقرة : 50 ] ، وقوله في « يونس » : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) [ يونس : 90 ] ، وقوله في « الدخان » : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) [ الدخان : 24 ] إلى غير ذلك من الآيات . والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) يدل على تعظيم الأمر وتفخيم شأنه ، ونظيره في القرآن قوله : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) [ النجم : 16 ] ، وقوله : وَالْمُؤْتَفِكَةَ